إعادة تخيّل المساحة: كيف تعيد النساء السودانيات ابتكار العمل النسوي في زمن الحرب
كتابة مشتركة بقلم
غدير حميد، يسرا محمد، تحفة الكامل
نكتب هذا المقال نحن ثلاث نساء سودانيات – صديقات ورفيقات في الحراك الثوري النسوي – من موقع الشهادة والتجربة المشتركة قبل أي شيء آخر. لسنا مراقِبات من بعيد، بل جزء من النسيج الذي مزقته الحرب ثم حاولت النساء رتقه بطرق جديدة. نكتب مستندات إلى أصوات نساء أخريات وثّقن تجاربهن في مجلة فريدة، تلك المساحة التي تحولت خلال الحرب إلى أرشيف حيّ للشهادات النسوية. ما نرويه هنا ليس تقريرًا محايدًا، بل محاولة لفهم ما عشناه ونعيشه؛ كيف يتقلّص العالم من حولنا، وكيف نواصل رغم ذلك خلق مساحات للحياة.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تغيّر كل شيء تقريبًا، أصبح النزوح الجماعي والعنف المنهجي جزءًا من الحياة اليومية للنساء السودانيات. تقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 11 مليون شخص أُجبروا على النزوح داخليًا أو اللجوء إلى دول الجوار — نصفهم تقريبًا من النساء اللواتي تعرضن لتهديدات العنف الجسدي والجنسي، والاعتقال، والإتجار، وحتى الاغتيالات1. تفاقمت الأزمة بفقدان الخدمات الأساسية، إذ انهار أكثر من 80٪ من مرافق الصحة، مع صعوبة الوصول إلى الغذاء والماء والتعليم. ووفق تقرير برنامج الأغذية العالمي 21.2 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، أي حوالي نصف السكان.2 وبحسب يونيسيف، حُرم حوالي 8 مليون طفل من حقهم في التعليم الأساسي إثر الحرب3. كل ذلك أعاد ترتيب أولويات الحياة؛ أصبح البقاء أولوية قصوى، واستُنزفت الطاقات في تلبية الاحتياجات الأساسية.
في قلب هذا الانهيار، وُضعت النساء في مواجهة مباشرة مع أعباء جديدة؛ رعاية العائلات الممتدة، وتأمين الغذاء، وحماية الأطفال، وتنظيم النجاة اليومية. لكن هذه الصورة، على قسوتها، ليست القصة كاملة. داخل هذا الواقع نفسه، نشأت مبادرات نسوية أعادت تعريف معنى العمل الجماعي، ومعنى الرعاية، ومعنى التنظيم.
ومن خلال هذا المقال، نفحص الواقع النسوي عبر مفهوم «المساحة» لنرى كيف أعادت النساء السودانيات ابتكار العمل الجماعي، ليس استجابة طارئة فحسب، بل إعادة بناء متعمدة للمساحات التي يسعى النظام الأبوي لتفتيتها. نقسم هذه المساحات إلى ثلاثة مستويات مترابطة؛ الذات كمساحة أولية للصمود والمقاومة، المكان كمساحة تنظيم وإدارة الموارد، والعلاقات كمساحة لإعادة تعريف العمل الجماعي وبناء الشبكات الاجتماعية المقاومة. وتتقاطع هذه المستويات لتشكّل معًا ساحة الصراع المستمرة بين منطق الإخضاع الأبوي وفعل المقاومة النسوي لصون الحياة.
الخلفية التاريخية للتنظيم النسوي في السودان
لفهم قدرة السودانيات على ابتكار فضاءات مقاومة خلال الحرب، من الضروري العودة إلى المسار الذي تشكّلت عبره الشبكات النسوية خلال العقود الماضية. هذا المسار لا يُقدَّم هنا كتقسيم نهائي، بل كعدسة تساعد على قراءة تراكم الخبرات الجماعية التي مكّنت النساء من الحفاظ على الفعل النسوي رغم التحولات السياسية الحادة. ويمكن تتبّعه عبر ثلاث مراحل مترابطة:
مرحلة الصمود تحت الحكم الاستبدادي (1989–2018):
في ظل النظام الإسلامي الاستبدادي، تقلّصت المساحات العامة وتعرّض العمل المدني والسياسي للتجفيف المنهجي. رغم ذلك، استمر التنظيم النسوي بأشكال محدودة وغير مرئية غالبًا، ركّزت على البقاء، الدعم المتبادل، وحفظ المعرفة والذاكرة. لم تكن هذه مرحلة توسّع، بل مرحلة تراكم هادئ لروابط ثقة وشبكات تضامن لعبت دورًا حاسمًا في ما تلاها.
مرحلة المقاومة والثورة (2018–2023):
مع اندلاع الثورة السودانية، برز الحراك النسوي بقوة في الفضاء العام، واحتلت النساء موقعًا مركزيًا في المواكب والتنظيمات القاعدية. أعاد الخطاب النسوي موضعة قضايا النساء – الأجساد، والبيئة، والهامش الاجتماعي والاقتصادي – في قلب المشروع السياسي، متحديًا الفصل التقليدي بين النضالات. كما شهدت هذه المرحلة توسّعًا تنظيميًا لافتًا؛ ظهور مجموعات جامعية وإقليمية، وتعزيز اللامركزية داخل الحراك، وتأسيس مبادرات متخصصة منحت العمل النسوي تنوعًا ومرونة بعد عقود من سياسات الهيمنة على أجساد النساء.
مرحلة الاحتواء بعد حرب 2023:
مع اندلاع الحرب، أصبح الحفاظ على الذاكرة الجماعية واستمرارية الفعل النسوي ضرورة وجودية. في هذا السياق، برزت غرف الطوارئ النسوية وشبكات الدعم النفسي والتمكين الاقتصادي – داخل السودان وفي الشتات – كفضاءات حيوية تجمع بين الاستجابة المادية وإعادة بناء الروابط الاجتماعية. لم تقتصر هذه المبادرات على تلبية الاحتياجات العاجلة، بل وفّرت مساحات آمنة للتعبير عن الصدمات، وتبادل خبرات النجاة، ومقاومة العزلة التي يسعى النظام الأبوي لفرضها.
كما أسهمت هذه الفضاءات في نقل قضايا النساء الخاصة – مثل احتياجات الصحة الإنجابية والفوط الصحية – إلى مستوى الرؤية السياسية، ما دفع الاستجابات الإغاثية والتغطيات الإعلامية إلى إيلاء اهتمام أكبر لها، في مواجهة ثقافة سائدة طالما أحاطت هذه القضايا بالعار والإخفاء. بذلك تحولت المبادرات النسوية من أدوات إغاثة مؤقتة إلى بنى مقاومة مستمرة لتنظيم الحياة الجماعية، مدعومة بشبكات الثقة التي تأسست خلال سنوات الثورة، ومكّنت الحراك النسوي من الصمود رغم النزوح والعنف وانهيار الخدمات الأساسية.
https://www.thenewhumanitarian.org/news-feature/2025/01/28/how-mutual-aid-helping-women-survive-sudan-war?utm_source=chatgpt.com للمزيد حول تجربة غرف الطوارئ النسوية ودورها في تقديم الدعم .
إعادة تعريف الصراع
تكشف حرب 2023 في السودان أن النزاعات المسلحة ليست مجرد انهيار أمني أو سياسي، بل أداة بنيوية يستخدمها النظام الأبوي لإعادة ضبط المجال العام وتقليص الفضاءات التي راكمت قدرة جماعية خلال السنوات السابقة. فالصراع لا ينحصر في الهجوم على الجسد أو المكان، بل يمتد إلى محاولة تفكيك النسيج الاجتماعي والسيطرة على العلاقات والمساحات اليومية. من هذا المنطلق، لا نقرأ الحرب كمواجهة مادية فحسب، بل كصراع على الحياة نفسها: على القدرة على التنظيم الذاتي والجماعي، وعلى استعادة وإعادة ابتكار المساحات التي يسعى النظام الأبوي لتفتيتها.
في هذا السياق، نواجه نحن النساء السودانيات الصراع عبر ثلاثة مستويات مترابطة – الذات، والمكان، والعلاقات – حيث تتجلى التوترات بين منطقين متعارضين:
منطق الإخضاع:
يسعى إلى تحويل البشر إلى أدوات وموارد، ويستخدم العنف المباشر، والسيطرة على المكان، وفرض التراتبية داخل الشبكات النسوية لضمان استمرار الهيمنة وتقليص إمكانيات الفعل الجماعي.
منطق الحياة:
يضع الرعاية والتضامن في مركز الفعل، ويتيح للممارسات النسوية إعادة إنتاج القدرة الجماعية على الصمود، وإعادة تنظيم العلاقات والمعنى، وبناء بدائل عملية تضمن استمرارية الحياة والكرامة.
تعمل الحرب على تقليص الفضاء النسوي وتحويل البقاء الفردي إلى أولوية، غير أن النساء واجهن هذا الانكماش بإعادة إنتاج فضاءاتهن بشكل عملي ومرن؛ شبكات الدعم المتبادل، وغرف الطوارئ النسوية، ومبادرات التمكين الاقتصادي، والدعم النفسي الجماعي. هذه الممارسات ليست مجرد استجابات طارئة، بل أدوات لإعادة بناء الحياة نفسها ضمن منطق المقاومة، وتأكيد حق النساء في التنظيم والحفاظ على وكالتهن الفردية والجماعية.
ومن داخل هذا الفهم للصراع بوصفه معركة على الحياة نفسها، تتضح الحاجة إلى تفكيك مستوياته الملموسة في التجربة اليومية للنساء. فالمقاومة لا تبدأ في الفضاء العام فقط، بل تنطلق أولًا من الداخل، من الذات بوصفها الساحة الأولى التي تتعرض للاستهداف والتي يُعاد من خلالها تنظيم القدرة على الصمود. ومن هنا يمكن قراءة المستويات الثلاثة – الذات، والمكان، والعلاقات – كمسارات مترابطة يعاد عبرها إنتاج الفعل النسوي في زمن الحرب.
الذات كمساحة: المقاومة اليومية وإعادة التنظيم
في قلب الصراع، تصبح الذات – بما فيها الجسد والنفس – أول مساحة للمقاومة. فالحرب لا تقتصر على التدمير المادي، بل تسعى إلى تفكيك الداخل: تشويش الإحساس بالأمان، وكسر الإيقاع الزمني، وإضعاف القدرة على الشعور بالمعنى. من هنا تتحول ممارسات البقاء اليومية – حماية الجسد، وتنظيم الطاقة، والحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية – إلى أفعال مقاومة ملموسة تعيد للنساء القدرة على الفعل.
فالجسد هو الواجهة المادية للذات، والموقع الأول الذي تتجسد فيه السلطة والخسارة. في سياقات العنف والنزوح وانعدام الأمن، يصبح الحفاظ على الجسد، واستعادة القدرة على الحركة، وحتى تنظيم تفاصيل اليوم، ممارسات سياسية تعيد التفاوض مع الواقع وتحدّ من سطوته.
أما النفس، فهي ليست مجرد مساحة للمشاعر، بل أداة تحليلية وسياسية. من خلال وعيها بالهشاشة، تصنع الذات استراتيجيات عملية للتعامل مع الضغط اليومي. فالهشاشة، كما تشير جوديث بتلر، ليست عائقًا بل أحد أشكال القدرة السياسية، إذ تكشف عن جوهرنا المشترك وتفتح إمكان بناء شبكات دعم قائمة على الفهم المتبادل للواقع المادي والعاطفي.
في هذا المعنى، لا يبدأ العمل النسوي من الشارع أو التنظيم وحده، بل من الداخل؛ من إعادة ترميم العلاقة مع الجسد، ومنح النفس حقها في البطء، وحمايتها من الاستنزاف المستمر. هكذا تُستعاد الذات كمساحة أولى للمقاومة، وكشرط لأي فعل جماعي ممكن.
وفي ظل الحرب تتركّز أشكال العنف المباشر على أجساد النساء، فتخصهن بالعنف الجنسي. وتشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن ملايين النساء في السودان يواجهن خطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، مع تفاقم هشاشة النازحات واللاجئات والمهاجرات في ظل انهيار البنية الصحية والاجتماعية. وفي مجتمع تحيطه ثقافة الصمت والعار، تُترك كثير من الناجيات يصارعن الآثار النفسية والجسدية في عزلة قاسية.
مع ذلك، برزت مبادرات نسوية معنية بالصحة الإنجابية والجنسية، حاولت تلبية هذه الاحتياجات رغم محدودية الموارد. وفي هذا السياق، توثّق هديل بنادري في مقالها مركزة صحة النساء – مبادرات الصحة الإنجابية والجنسية في حرب السودان دور هذه المبادرات وتسلط الضوء على عدد منها قائلة:
«منذ اندلاع حرب 15 أبريل في السودان، برزت مبادرات الصحة الإنجابية والجنسية كشكل حيوي من أشكال الاستجابة الإنسانية الطارئة… لم تكن مجرد استجابة صحية، بل فعل مقاومة عميق يؤكد مركزية اقتصاد الرعاية كبديل يعيد تعريف أولويات البقاء والكرامة.»
وبالتوازي مع مواجهة العنف المباشر، واجهت النساء العنف «الناعم» تجاه الذات عبر بناء شبكات احتواء جماعية؛ مساحات للتعافي والدعم النفسي، وفضاءات رقمية أعادت وصل ما شتته الحرب. من خلال هذه المبادرات جرى تسييس قضايا العافية النفسية وربطها بالمقاومة، بوصفها شرطًا أساسيًا لاستمرار القدرة على الصمود والفعل.
المكان كمساحة: تنظيم الحياة وإدارة الموارد
المكان ليس مجرد جغرافيا، بل خبرة جسدية، معرفية، وجدانية متراكمة عبر الزمن والعلاقات. النزوح وفقدان البنية التحتية يجعلان النساء يفقدن ليس فقط المأوى، بل الموارد والمعرفة المتراكمة حول إدارة الحياة اليومية: طرق الحركة الآمنة، مواقع الموارد، شبكة العلاقات المحلية، وأدوات العمل المنزلي.
يشكل هذا القلق المكاني جزءًا أساسيًا من التجربة النسوية السودانية، حيث لا يُعاش المكان فقط كجغرافيا، بل كخبرة نفسية واجتماعية متراكمة تنتقل عبر الأجيال. في هذا السياق، لا يظهر المكان كحاضنة ثابتة، بل كمسار قلق يُعاد صياغته باستمرار. إعادة تشكيل المكان، حتى في صوره المؤقتة، يصبح فعلًا جماعيًا مقاومًا؛ حيث تحولت بعد الحرب المنازل والمدارس والملاجئ إلى مراكز تنظيم ودعم متبادل تجمع الرعاية، التعليم، والإرشاد الصحي والنفسي.
في وصف لعلاقات الناس والمكان في السودان، تكتب عناب علمان في مقالها البحث عن مساحة صغيرة لنا في عالمٍ يتداعى:
«في نصف قرن من الاستقلال، عاش السودان بالكاد عقدًا من السلام. لا تكاد تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى … أورث هذا الفشل الفرد السوداني – في كل مكان وزمان – قصة نزوح ورحيل دائم. رحيل من أجل التوسع أو العكس، نزوح وهجرة وهلاك بسبب النزاعات. فعلى مستوى الفرد أو الجماعة لا يزال السوداني حتى اليوم ينجو من خلال الحركة والرحيل …»
هذا القلق المكاني يظهر أيضًا في التحولات العملية: المنازل ومراكز الإيواء تتحول إلى فضاءات تنظيم يومي، تُدار فيها تفاصيل الحياة تحت القصف والنزوح. توثق نجلاء التوم جانبًا من ذلك في مقالها جارَات بلا حدود:
«في مواجهة آلة الحرب المصمِّمة على تمزيق النسيج الاجتماعي، تشنّ مجموعة الواتساب حربًا مضادّة هادئة، لكنها عنيدة. وإذا كانت الحرب تهدف إلى قطع استمرارية المجتمع وتحويله إلى قبائل متناحرة وضحايا عاجزين، فإنّ هذه المجموعة الافتراضية تصرّ على خلق الاستمرار من رحم الانقطاع؛ فهي ترفض منطق الحرب الذي يخاطبهنّ كأنهن أجسادٌ معزولةٌ للعنف أو أرقامٌ في سجلات النزوح، وتعيد تأكيد هويتهنّ بوصفهنّ جاراتٍ وجماعةً وتاريخًا وذاكرةً مشتركة. وتتجلّى هذه المقاومة اليومية في أبسط التفاصيل: رسالة مطمئنة مع شروق الشمس، أو تبرع بسيط لعلاج مريضة، أو مجرد استفسار عن أحوال أطفال إحدى السيدات. إنها معركة ضد النسيان والتصدّع، تتحوّل فيها كل رسالةٍ إلى جسر فوق هوّة الاقتلاع، وكل ختمة قرآن إلى إعلان بأنّ الرعاية والتضامن هما السبيل الوحيد إلى النجاة. ففي زمن السلم أسعفت تدابير (الصندوق) و(جمعية العِدّة) نساء الحي. والآن، في زمن الحرب، يلزم اختراع (جمعيات عِدّة جديدة). لذا، فإنّ المجموعة في جوهرها تعاونية صمود تقول إنّ الانتماء الحقيقي ليس إلى المكان الجغرافي، إنما إلى وعيٍ مشتركٍ بالذات الجماعية الرافضة للهزيمة.»
كما لم يعد دور المكان محصورًا في المأوى المادي؛ فقد تحولت الفضاءات الرقمية إلى امتداد سياسي واجتماعي له، أعادت عبره النساء تنظيم التواصل، تبادل المعلومات، وتنسيق الاستجابات. بهذه الطريقة، تصبح الأماكن، سواء كانت مادية أو افتراضية، مساحات مقاومة حيوية، تعكس قدرة النساء على إعادة إنتاج الحياة اليومية في زمن الحرب رغم القيود والهشاشة.
العلاقات كمساحة: الرعاية والفعل الجماعي
مع الحرب، تكثفت أعباء الرعاية بشكل غير مسبوق، نتيجة للتدهور الاقتصادي، انهيار البنية التحتية، واتساع دوائر النزوح واللجوء. لم يعد العمل النسوي محصورًا بالمنزل، بل امتد إلى الفضاء العام، ليشمل تنظيم الإيواء، توفير الغذاء، رعاية الأطفال والمسنين، والتنسيق مع المبادرات الإنسانية. هذه الممارسات لم تكن مجرد واجبات طبيعية، بل أصبحت أفعالًا سياسية مقاومة تكشف منطق الهيمنة الأبوي وإعادة إنتاج القدرة الجماعية على الصمود.
توضح خالدة في حوارية بين نسويات سودانيات أجرتها مجلة فريدة:
«من أبرز الظواهر التي لاحظتها في المناطق شبه الآمنة هي العبء الإضافي الواقع على النساء المستضيفات للنازحين. فالكثير من الأسر في تلك المناطق فتحت بيوتها للوافدين من مناطق الحرب، وغالباً ما تتحمّل النساء المسؤولية الكبرى في عمليات الاستضافة والإيواء، بما في ذلك إعداد الطعام وتنظيم المعيشة والرعاية اليومية للأطفال والمسنين.»
كما تشير هدى في الحوارية نفسها:
«أعمال الرعاية التي تضطلع بها النساء – سواء في البيوت أو في الفضاءات العامة أو في غرف الطوارئ النسائية ومبادرات المجتمع المدني – كانت أساسية في ضمان النجاة الجماعية منذ اندلاع الحرب، لاسيما في المناطق التي حوصرت أو انقطعت عن الخدمات. إذ قامت النساء والفتيات بأدوار حيوية: إعداد الطعام بموارد محدودة، رعاية الأطفال والمسنين، تنظيم أماكن الإيواء، وإدارة المبادرات الإنسانية.»
في هذا الإطار، يمكن رؤية الرعاية كأداة مقاومة سياسية. فالنظام الأبوي يحاول تحويل الارتباط الوجداني داخل الأسرة إلى علاقة استخراجية تصادر وقت النساء وطاقتهن، لكنه في ذات الوقت، مع ابتكار النساء المستمر لوسائل النجاة، يتحول إلى فضاء لإعادة إنتاج القوة الجماعية. لذلك، تصبح أدوار الرعاية اليوم قضية سياسية حيوية، لا مجرد واجب منزلي.
الفضاء النسوي كمختبر لإعادة تخيّل العالم
من خلال المستويات الثلاثة – الذات، والمكان، والعلاقات – يتضح أن ما بنته النساء السودانيات خلال الحرب ليس مجرد استجابات متفرقة، بل منظومة متكاملة لإعادة إنتاج الحياة. هذه المنظومة تجعل الفضاء النسوي اليوم أكثر من مساحة دعم، بل مختبرًا حيًا لإعادة تخيّل العالم نفسه، حيث تُعيد النساء تعريف المقاومة والتنظيم بوصفهما ممارسات يومية لحماية الحياة وإعادة إنتاجها. فالفضاء النسوي ليس مجرد رد فعل على الحرب، بل مساحة ترفض منطق الإخضاع الأبوي وتؤكد أن منطق الحياة – مهما بدا هشًا – قادر على إنتاج مستقبل مختلف. هذه المساحات، بطبيعتها المفتوحة على الأسئلة، تمكّن النساء من الاشتباك النقدي مع الواقع وفهم أن التحرر عملية مستمرة من التفكيك والبناء على مستوى الذات والعلاقات والمكان.
من هذا المنطلق، يمثل الحراك النسوي منصة لإعادة تخيّل الحياة، حيث تتقاطع المستويات الثلاث لتشكّل شبكة مقاومة مستمرة. وترتبط هذه الرؤية بالنضالات النسوية في السودان وفلسطين والصحراء الغربية والكونغو وغيرها، مؤكدة على منطق موحد: الدفاع عن الحياة في مواجهة نظام أبوي عالمي، ما يجعل تبادل المعارف والخبرات والموارد ضرورة لبناء جبهة مقاومة عابرة للجغرافيا.
وعليه، يصبح دعم الفضاءات النسوية السودانية اعترافًا سياسيًا، اقتصاديًا، ومعرفيًا، لا مجرد مساعدة إنسانية هامشية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
الضغط السياسي لوقف تسليح الأطراف المتورطة في الحرب وكشف شبكات نهب الموارد.
الاعتراف الاقتصادي بأعمال الرعاية ودعم غرف الطوارئ والمبادرات النسوية ومشاريعها الإنتاجية بشكل مستدام، مع ضمان وصول عادل للموارد داخل هذه الشبكات.
إدماج الصحة النفسية ضمن الاستجابة الإنسانية لضمان قدرة النساء على الصمود والمشاركة الفاعلة.
تبادل الخبرات التنظيمية والنسوية بين النساء في سياقات الحروب المختلفة.
توثيق التجارب النسوية كجزء من العدالة والذاكرة التاريخية.
بهذه الطريقة، يتحوّل العمل الجماعي القائم على الندية والرعاية والدفاع عن الحياة طريقًا لإعادة بناء الذوات والمجتمعات بطرق أكثر عدلًا واستدامة. ومن قلب التجربة السودانية يتأكد أن منطق الحياة قادر، رغم كل شيء، على فتح أفقٍ لمستقبل مختلف تُصان فيه الكرامة الإنسانية وتزدهر فيه إمكانيات العيش المشترك.



Les commentaires sont fermés.